فقدت كلمة المرور

     

     

     

     

     

     

     

     

غزل البنات ... لوليد الزهيرى

مشاهدة:670 تعليقات:1

Share |

ملخص تقديم : مصطفى ريان وليد الزهيرى كاتب من نوع خاص .. فهو يجيد رسم التفاصيل الصغيرة وان يغزل منها عالما مدهشا تبهرك أركانه .. وليد له مدونه شهيرة ( عارف مش عارف ليه: http://3arfah.blogspot.com/) ينشر فيها إبداعه القصصي وله أيضا مدونة بعنوان ( زهرة التيوليب ) (http://cinetulip.blogspot.com) ينشر فيها نقدا سينمائيا محترفا ادعوكم لقراءة هذه القصة الجميلة والاستمتاع بها

خاص لـ شباب مصر

                                                    بقلم : وليد الزهيري

 

وقف يلتقط أنفاسه بعدما تلمس ظلال الشمس مدركاً أنه الآن أسفل البرج الموجود على أول كوبري ستانلي متخيلاً نفسه أسفل أقواس النصر يحمي حماها حاملاَ مزماره بيده اليمنى وحربته التي يحارب بها على رزقه في يسراه تشبه الشوكة ذات الأسنان الأربعة يمتلئ كل سن منها بغزل البنات وأكياسه المنتفخة بالهواء لتحافظ على هشاشته بألوانه المختلفة يمتلئ السن الأول باللون الأبيض ثم الأصفر في الثاني ويليه الأزرق السماوي مختتماً باللون الوردي.

فقد عم حلمي نظره في حرب أكتوبر عندما التحق بالتجنيد في سلاح المهندسين بعدما نال قسطاً يسيراً من التعليم أتمه بحصوله على شهادة دبلوم الثانوية التجارية ولم يشفع له مستواه التعليمي في أن يحصل على عمل غير هذا بعدما عاد من حربه فاقداً نظره وكل ما تبقي له شهادة تقدير لأدائه البطولي معلقة على حائط منزله الرث.

يأتي إلى هنا كل يوم قبل مغيب الشمس بقليل وكأنه عاد مقاتلاً من جديد من أجل قوت أسرته التي لم يتبقى له منها سوى أبنته اليافعة الملتحقة بكلية صيدلة جامعة الإسكندرية في سنتها الدراسية الأخيرة بعدما فقد زوجته منذ زمن ليس ببعيد، وتساعده أبنته كثيراً في غزله … مثلما تغزل أحلامها.

كان يدرك أبعاد المكان بالرغم من أنه مكان مفتوح، إذ أنه يملك ذاكرة "طبوغرافية" بفترته وتم تنميتها من خلال المهارات التي تعلمها في الجيش وزادت براعته بعدما نمى حواسه الأخرى، معتبراً رصيف كوبري ستانلي الواقع بين البرجين الموجودين على بدايته ونهايته مقر عمله لا يبرحه ومن يريد منه شيئاً خارج هذه المسافة عليه أن يأتي إليه حتى لو كان ممن يجلس على المقاعد الموجودة قبل البرجين بقليل أو من على الرصيف المقابل له.

يتعامل عم حلمي مع مقر عمله وكأنه كائن حي ذو ملامح مميزة إذ تبدأ المسافة بين البرجين بخط أبيض عريض نسبياً وكثيراً ما ألقى حمولته من فوق سور الكوبري ليحملها عنه البحر العباب، أو أرتكن على عمود الإضاءة الموجود على أقصى يمين الرصيف، وتبلغ المسافة بين كل عمودين عشرة أمتار مغطاة بالأحجار الوردية المتداخلة فيما بينها وقبل الوصول إلى العمود التالي يوجد مقعد أسمنتي شهد الكثير من الحكايات التي دارت وستدور أحداثها عليه، كان يتعامل مع هذه الخطوط البيضاء الأرضية الفاصلة بين كل مقعد على أنها جدران وهمية تفصل بين سكان تلك المقاعد وحواديتهم ، وما كان بحاجة لأن يقرع تلك الجدران حتى يشاركهم حكاياتهم.

جفف عرقه مهمهماً بكلماته اليومية "استعنا على الشقا بالله" وهو واقف والمسافة التي بين قدميه متسعة قليلاً في وضع "الصفا" متكئاً بحامل غزل البنات على الأرض ملامساً قدمه اليسرى وكأنه الإسكندر الأكبر فاتح الإسكندرية نافخاً شراعه ومقرباً مزماره إلى فمه معلناً عن قدومه بنغمته الشهيرة والمميزة ثم رفع مصدر رزقه على كتفه وهو يستمع لحفيف أولى خطواته متجاوزاً البرج مستشعراً حرارة شمس الصيف رغم اقترابها من المغيب.

بدأ رحلته بالرغم من علمه بأنه زبائنه في هذا الوقت ليسوا بالكثيرين لكنه كان يستعيض عن ذلك بتعرفه على سكان تلك المقاعد الذين سيشاركونه ليلته، معتمدا على حاسة سمعه الحادة كما يساعده الهواء الطلق في نقل همسات العاشقين إليه، وبالقطع لا يحتاج لبذل هذا الجهد عندما يكون بعض  الجالسين رجل وزوجته مضى على زواجهما عدة أعوام ويزاحمهما على المقعد أولادهما.

- ماما .
- نعم يا حمادة.
- قولي لبابا يشتري لي غزل البنات.
- محجوب هات للولاد غزل البنات.
- هم ولاد ولا بنات؟
- كل الأطفال بتحبه.
- حاضر بس لما نخلص الترمس.
ضم شفتيه في شكل دائري يشبه ثمرة الجوافة متيقناً إنه ليس لديه رزق من سكان هذا المقعد.
- حبيبتي مش ممكن نسيب بعض مهما حصل.
- مصدقاك يا حبيبي، بس في البيت عندي كل يوم بيقولوا هيجي امتي علشان يخطبك؟
- هانت كلها كام يوم وأخويا يبعت لي فيزا من إيطاليا وأول ما أسافر وأشتغل أبعت لأهلي يشتروا الشبكة ويجوا يخطبوكي.
- الضغوط عليا كبيرة أوي.
- تاخدي غزل البنات؟
بنبرة منكسرة.
- أيوة.
- تحبي أي لون؟ ولا أقولك هختارلك البمبي.

بضيق وتأفف.

- وأنا هختار لك الأصفر.
وضع عم حلمي الجنيه في جيبه مستفتحاً رزقه به، وهو مستمر في خطواته البطيئة حتى تلاشي صوتهما وغلب عليه صوت فرملة سيارة لبعض الشباب الذي توقف بالقرب منه.

- أنزل يا رامي هات لنا شوية غزل.
- ليه يا روح أمك !!! مش عازمكم على أيس كريم من ساعة عند "عزة"، ولا علشان راكبين في عربية أهلك؟
- طيب طيب ، أنت قلبك اسود أووي.
- يا ريس.
- أيوة يا باشا.
- هات لنا من كل لون خمسة علشان المقاطيع اللي راكبين معايا دوول.
- تأمر ياباشا.

هرول عم حلمي وهو ينزع أكياس الغزل مصدرة صوتاً مبهجاً كأنه يجني البرتقال من على شجرته.

- كام حسابنا يا عمنا؟
- عشرة جنية يا باشا.
- خسارة في جتتهم.

رسم أبتسامة متودداً وهو يمد يده ليأخذ العشرة جنيهات ، متحسسا حجمها ليتأكد منها، وهو يسمع أحدهم يقول للآخر.

- شايف يا معلم المُزة اللي قاعدة جنب الواد ده؟
- خسارة في أهله، بت شديدة طحن.

انطلقت السيارة بنفس القوة التي توقفت بها، مع صوت ضحكة رقيعة من ركابها عندما أرتفع صوت سائقها وهو يقول.

- الله يسهلوووو.

ولم يستمع لرد عليهم أثناء سيره ممن وجه إليه هذا الكلام.

- ولا يهمك يا صابر تهون إن شاء الله.
- مش عارف هعمل ايه يا شوقي، البنت فرحها قرب ومش قادر اجيب لها بقية جهازها.
- العريس هينزل أمته من السعودية؟
- كمان شهرين .
- تتدبر إن شاء الله ، على أول الشهر هيجيلي خمستلاف جنيه أنا مش محتاجهم أهو يساعدوا في جهاز البنت.

بصوت متحشرج .

- أنا مش عارف أقولك أيه يا شوقي ، أنت الصاحب الوحيد اللي طلعت بيه من حطام الدنيا.

أبتسم عم حلمي، وأطلق مزماره مبتهجاً لانفراج كربة صابر، واستمر في خطواته إلى أن وصل إلى البرج المقابل واستدار في طريق عودته كأنه سباح في حوض أولمبي يعد الأشواط حتى يصل لنقطة النهاية دون كلل أو ملل.

- الحمد لله إن ربنا بعتك ليا من بعد وفاة ماما ، وبابا مشغول عني أنا وأخويا الصغير، وملقيتش حد جنبي غيرك.
- حبيبتي أحنا الاتنين محتاجين لبعض.
- عارف يا بدر.
- أيوة يا منة.
- كل الناس بتقولي أنت أتغيرتي خالص بقيتي بتشعي بهجة من جواكي .
- هو ده الحب حبيبتي، إن شاء الله ربنا يكلل حبنا بالسعادة.
- أنا بحبك أوي يا حبيبي.
- أزيك يا عم حلمي.
- الحمد لله يا أبني.
- وحياتك يا عم حلمي عاوزين أتنين من الغزل بتاعك زي كل مرة.
تحسس بيديه اثنان من أكياس غزل البنات ممتلئان يعرفهما جيدا وأقتطفهما الأول أزرق سماوياً لمنة وما إن تأكد أن الكيس الثاني الأبيض في يد بدر أنصرف.
- عم حلمي، عم حلمي.
دون الالتفات للخلف، وقبل أن يضع مزماره في فمه.
- دي هدية مني لكم النهاردة يا أبني.
وهي تحنو على الغزل بشفتيها الورديتين ليذوب من حرارتهما، وبمنتهى البراءة.
- أجمل ما في غزل البنات يا بدر‘ إنه بنفس طعم أحلامنا.
يقترب الليل من منتصفه، حيث تغيرت نوعية الزبائن، فكان هناك فتى وفتاة يجلسان على أحد المقاعد، ولا يصدر منهم صوتاً مفهوماً فقط بعض الإيماءات والتأوهات المكتومة والتي يعرف دلالتها بالرغم من فقدانه بصره … لكنه لم يفقد بصيرته، أقترب منهما قليلاً وأحدث ضجيجاً بمزماره لكي يرحلا عن هنا ، فلم يكن يأبه بهم فهؤلاء أجبن ما يكون.
- يلا بينا نمشي من هنا.
- هنروح فين؟
- نشوف أي حته تانية بعيد عن الراجل ده.
- طب يلا بسرعة.
- حاضر أنا مستعجل أكتر منك.

يطلق عم حلمي مزماره ابتهاجاً بالنصر، محافظاً على مكان رزقه نظيفاً قدر المستطاع، ولفت احتفاله انتباه طفلة لم تتجاوز عامها الرابع تركب سيارتها مع أبيها، وبلغتها الخاصة التي يعرفها أبيها.

- بابي ، عايزة "بنات الغزال".
- حاضر يا حبيبتي.
- عايزة "كتيرين"
- هات كل غزل البنات اللي باقي معاك يا عم الحاج.
- حاضر يا أبني.

أفرغ كل غزل البنات المتبقي معه في المقعد الخلفي للسيارة، ووضع الأب في يد عم حلمي ورقة مالية من فئة المائة جنية.

- هي مامي لسه بتلعب مع "بنات الغزال" اللي في السما يا بابي.
- أيوة يا حبيتي.
- ربنا يخليك لها.
- متشكر يا عم الحاج.

انطلقت السيارة ، مثلما أنطلق عم حلمي في طريق العودة إلى بيته بعدما أنهى يوماً شاقاً مستمتعاَ بمهنته المتواضعة التي يرسم بها الابتسامة على وجه الصغار قبل الكبار ، إذ يفرح الصغار بطعم غزل البنات ويطاردونه في نهم كأنهم يطاردون فراشه يريدون التمتع بألوانها وما إن يمسكون بها تفارق الحياة، كذلك تقبل الفتيات على غزل البنات ذو الألوان الأنثوية "الأزرق السماوي والوردي" الشبيه بأحلامهن وهن دون العشرين أو فوقها يحبون فيه طعمه الهش وما إن يقضمونه يذوب في أفواههن مثل كلمات الهوى التي يسمعونها من عشاقهن على كوبري ستانلي ولا تترك هذه الكلمات إلا نفس الأثر الذي يتركه غزل البنات بعد ذوبانه … فقط مجرد لون على ألسنتهن.

 

 

 

 



Share |
 

الأخبار المتعلقة

اضف تعليق






بإمكانك إزالة التعليقات غير اللائقة أو البعيدة عن موضوع الخبر عن طريق الضغط على أيقونة (ابلغ عن تعليق غير لائق) وسيتم حذف التعليق أتوماتيكيا إذا أبلغ عنه عدد معين من الزوار


حقا رائعة و الاسلوب التصويري فيها من ابدع ما يكون
اسعدتني قراءتها
تقبل مروري




تم التبليغ عن التعليق
سوف يتم حذف التعليق بعد وصول عدد معين من التحذيرات






Mikanoo ADS

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اقرأ ايضا

شباب مصر

كتبت مني عبد الوهاب: المزيد ..


شباب مصر

كتبت مني يونس: الفصل الاول الخميس 3\6\1964 ما بين العصر والمغرب غابت الشمس وغيمت السماء وأثلجت نسمات الهواء وظهرت الأدخنه المحمله فى الهواء من داخل البيوت الطينيه ونزل المطر خفيف يقول جاءت الشتاء فاخذت جده .براءه ,براءه بين المزيد ..


شباب مصر

كتبت رنا ياسر : أنا سيده الكلمات نبض حروفى كلمات أتكلم حين تكون الكلمات ولكنى وجدت الأشعار تكتبنى واصمت حين يكون الصمت أبهى كلام المزيد ..


شباب مصر

كتبت رنا ياسر : مازلت ألمح فى الحياة أشباحاً تسمى بشر حتى أصبح كل إنسان بلا إنسان بلا هويه بلا بشر المزيد ..


شباب مصر

كتبت حنان العسيلي : داويت طفل في قلبي وعاودت رقصتي المفضلة سابقت أحاسيسي المنفعلة اجتاحت بحور الحنين عانقت أمواج السنين فأخمدت دموعي المشتعلة ******** المزيد ..


شباب مصر

كتبت سها المنياوى / مريت من أمام نافذتها و كانت كالعادة مضيئة منسدل عليها ستارتها البيضاء المميزة... لكم أشتاق أن أري كيف أصبحت وكيف صار شكلها الان وهل تزوجت ؟ ومن تزوجت؟؟؟ المزيد ..


شباب مصر

سألتك :- كتبت رنا ياسر : أجننت بمن لا تهوى فقلت:- العشق هو الجنون وما الجنون إلا عشقاً أبدياً وأنا أعشق الجنون المزيد ..


شباب مصر

بقلم – إسلام فتحي الفصل الأول- -علي موعد - أكثر ما يصيبني بشيء من ارتفاع الضغط وتدهور حالتي المزاجية ما أراه في أقرب المقربين إلي نفسي..حين لا أجد بديلا لأن أصف فعله بالساذج.. حلقات تفكيري تكاد تتدثر بواقعية مهترئة من ذلك الفعل الأحمق .. صدقني ستشعر أيضا بمثل ما أشعر به الآن من الوحشة والكآبة حين ترى بأم عينيك ما أراه.. وإليك مثالا واحدا لأبرهن لك أني لا أهذي وأن حرارة الشمس الحارقة في الخارج لم تصيبني بعد بضربة شمس .. المزيد ..


شباب مصر

كتبت إيناس حليم: لم يكن يُدرك معنى أن البشر يضحكون.. حين صنعوه في شمال الغرب وأتوا به إلى غرفة مربعة الأمتار تَسَعهُ وصندوق صغير وضعوا به بعض بالونات ملونة، وأشياء أخرى لم يكن يفهمها.. في غرفة وحيدة في الباحة الخلفية لسيرك كبير، كانت مهمته الأساسية حجز التذاكر الكترونيًا عن طريق استقبال بطاقات الائتمان وادخال بياناتها من فتحة صغيرة بطرف ذراعه.. المزيد ..


شباب مصر

كتبت عاليا حليم / قال لى رجل خرافى أن بحرا ضاع منى قديما أمواجه ستعود تنادينى من بين شفتيك وأن أفقا واسعا تجاهلنى طويلا المزيد ..